" لمن نوجه التأهيل "
أيهما معاق الإنسان الذي ابتلي بإعاقة أم المجتمع الذي ابتلي بنقص في قدراته على احتواء هذا الإنسان المعاق. قد تكون الإجابة أن كلاهما معاق ويحتاج إلى تأهيل . إننا كثيراً ما نسمع عن توجهات عن تأهيل المعاق باعتباره ضرورة من ضروريات المجتمع المتحضر, حيث تسعى هذه التوجهات إلى دراسة واقع الإنسان المعاق وتمكينه من حياة إنسانية رغيدة وفاعلة في المجتمع بحيث يتحقق اندماج المعاق في المجتمع. ولكن المعاق ليس هو العائق الوحيد لتحقيق هذا الدمج. وبالتأكيد يجب ألا نهمل دور تأهيل المعاق ودور المعاق نفسه في الدمج من جميع الجوانب سواء من خلال نظرته للعجز الذي يعاني منه ومدى تأقلمه معه وتأثير هذا العجز في المشاركة في أنشطة المجتمع وكذلك نظرته للمجتمع الذي ينتمي له ومدى استطاعته على التغلب على بعض السلبيات التي قد تنجلي في مجتمعه كالوصم والشفقة وغيرها.
ولكن لماذا لا نسأل أنفسنا هل المجتمع يحتاج إلى تأهيل أم أن تأهيل المعاق يكفي لدمجه في المجتمع. قد يقال لمن يثير هذه التساؤل أن تأهيل المعاق، فيه مصلحة له و للمجتمع، و هناك تبادل بينهما في تلك المصلحة ولكن دعونا نؤكد على أمر مهم وهو أن استغلال المجتمع للتقنيات والبرامج والخطط والإستراتيجيات المتعلقة بذوي الاحتياجات الخاصة على مختلف أنواع إعاقتهم ضرورة شديدة الإلحاح لدمج المعاقين في مجتمعاتهم، بالإضافة إلى ضرورة معاملة المعاقين معاملة إنسانية، بمعنى أن المجتمع لا يعتبر المعاق معاقاً بل إنساناً كاملاً معطاءً، وبالتالي التصدي للمشكلات التي يتعرض لها، ولابد في هذا المجال من التبادل الفني للمعلومات والخبرات، وتعزيز الوعي بحقوق المعاقين. لعلنا نجزم بأن المجتمع يحتاج للتأهيل الأكبر والعمل على جميع مستوياته سواء كانت السياسات العامة للدولة أو على مستوى الوزارات و المؤسسات والتخطيط لها أو على مستوى الأسر والأفراد ويكون تأهيلهم بشتى الوسائل من أجل توضيح وضع المعاق، وتوعية المجتمع بواجبات وحقوق المعاق، ودعم وتفعيل القوانين المتعلقة به، والمطالبة بتحسين أوضاعه الصحية و الاجتماعية والتعليمية والوظيفية. ولعل ما يؤلم كثيرا حينما نجد العديد من المعاقين لا يعلمون عن الخدمات التي يجب على المجتمع تقديمها لهم سواء كانت قوانين قد سنت من قبل ومنفذة ولم توضح بالشكل المطلوب أو قوانين قد سنت ولكن لم تر النور ولم تفعّل بعد, ولا اعلم ماذا تنتظر لكي يتم تفعيلها وقوانين لا بد من وجودها ولكنها لم تسن ولا أتوقع أنها تسن. هنا هل المعاق هو المسئول عن هذا أم هناك طرف آخر يشارك المعاق في نجاح عملية الدمج ؟
بكل تأكيد أن المجتمع يحتاج إلى تأهيل ولكن كيف يكون هذا التأهيل. أولا لابد أن نؤكد على أن هناك واجبات على المجتمع نحو المعاق تتمثل في الاعتراف بحقوقهم كمواطنين وذلك من خلال نشر الوعي لأفراد المجتمع في كيفية التعامل مع المعاقين. كما أن هناك بعض المعتقدات الخاطئة التي لا بد من تغييرها حول الإعاقة والمعاق وكذلك غياب المعلومات الصحيحة حول طبيعة الإعاقة وانتشارها.
ويمكن أن نوفر التأهيل للمجتمع من خلال وسائل الدمج الاجتماعي لجميع الأفراد المعاقين وهذا يتوقف على مدى استثمار وتوظيف الموارد والخدمات الموجودة في المجتمع لتمنية وتقوية استعداد المعاق على الاندماج. كما يجب إتباع طرق ووسائل لتغيير اتجاهات المجتمع السلبية نحو المعاق والإعاقة والتي تعوق الدمج وتتمثل في تأهيل المجتمع بوصفه عنصرا من عناصر السياسة الاجتماعية لتعزيز تمتع المعاقين بحقوقهم في الحياة داخل مجتمعهم، وذلك من خلال المشاركة الكاملة في الأنشطة التعليمية والاجتماعية والثقافية والدينية والاقتصادية والسياسية جميعا وتتضمن كذلك تنظيم الخدمات واستغلال موارد البيئة والاهتمام بقدرات المعاق. ولكن لابد من مساعدة أعضاء المجتمع لتمكينهم من تفهم التعامل مع المعاق و يتمثل ذلك في تقديم الاتصال المباشر وإعطائهم المعلومات وذلك من خلال تقديم المعلومات الخاصة حول الإعاقة و كيفية التعامل مع المعاقين من خلال تنظيم الزيارات الميدانية التي تقوم بها المؤسسات المختلفة إلى مدارس ومراكز المعوقين وتعتبر هذه الطريقة من أقوى الطرق وأشدها تأثيرا وتؤدي كذلك إلى نتائج إيجابية في تغيير الاتجاهات السلبية نحو المعاقين .
كما أن هناك عدة جوانب تكييفية لا بد من مراعاتها وتتمثل في المنزل والحي والمواصلات والمدرسة وكذلك تعديل البيئة للمعاق حركيا. كما أن أسر المعاقين تحتاج للتأهيل من خلال الطرق والوسائل كالبرامج التلفزيونية والإذاعية والنشرات الدورية والإعلانات والصحف والملصقات والصور والندوات والمحاضرات وذلك من خلال عمل دورات وورش منظمة ومنتظمة لأسر المعوقين باشتراك الأسر عن طريق العمل التطوعي ومساهمتها في رعاية المعاقين. كما أن هناك وسائل لتأهيل المعاق داخل الأسرة من خلال إعطاءه الفرصة في مشاركة الأسرة في الحوارات وتعويده على الجلوس مع الأسرة أثناء تناول وجبات الطعام أو مشاهدة برامج التلفزيون ومشاركته للأسرة في الزيارات والرحلات وتقديمه للأصدقاء كفرد منها وأن يعامل بدون تمييز وإتاحة الفرصة له للعب مع إخوانه ومشاركتهم ألعابهم حسب قدراته وإعاقته وتعويده على الحركة والاعتماد على النفس وتعليمه وتدريبه على نشاطات الحياة اليومية مثل مهارة العناية بالنظافة الشخصية وارتداء ملابسه وتناول الطعام وشراء الحاجيات واستعمال المواصلات العامة لتقوية قدرة المعاق على الوصول بإمكاناته البدنية والعقلية إلى مستواها الأقصى الذي يمكن أن تسمح به.
فهد الغوينم